القرطبي

154

التذكرة في أحوال الموتى وأمور الآخرة

قوله : وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ أي : ومن أمامهما ومن قبلهما ، وإلى هذا القول ذهب أبو عبد اللّه محمد الترمذي الحكيم في : « نوادر الأصول » وقال : ومعنى وَمِنْ دُونِهِما جَنَّتانِ أي : دون هاتين إلى العرش أي : أقرب وأدنى إلى العرش . وقال مقاتل : الجنتان الأوليان ؛ جنة عدن وجنة النعيم ، والأخريان جنة الفردوس وجنة المأوى . قال المؤلف رحمه اللّه : ويدل على هذا قوله عليه الصلاة والسلام : « إذا سألتم اللّه فاسألوه الفردوس » « 1 » ، الحديث ، وسيأتي . قال الترمذي : وقوله : فِيهِما عَيْنانِ نَضَّاخَتانِ أي : بألوان الفواكه والنعيم والجواري المزينات ، والدواب المسرجات ، والثياب الملونات ، وهذا يدل على أن النضخ أكثر من الجري . قال المؤلف رحمه اللّه : على هذا تدل أقوال المفسرين ؛ روي عن ابن عباس نضاختان : أي فوارتان بالماء ، والنضخ بالخاء أكثر من النضح بالحاء . وعنه أيضا : أن المعنى نضاختان بالخير والبركة ، قاله الحسن ومجاهد . وعن ابن عباس أيضا وابن مسعود : تنضخ على أولياء اللّه بالمسك والكافور والعنبر في دور أهل الجنة ، كما ينضخ رش المطر . وقال سعيد بن جبير : بأنواع الفواكه والماء . وقوله : فِيهِما فاكِهَةٌ وَنَخْلٌ وَرُمَّانٌ قال بعض العلماء : ليس الرمان والنخل من الفاكهة ، لأن الشيء لا يعطف على نفسه ، وهذا ظاهر الكلام ، وقال الجمهور : هما من الفواكه ، وإنما أعاد ذكر النخل والرمان لفضلهما على الفواكه ، كقوله تعالى : حافِظُوا عَلَى الصَّلَواتِ وَالصَّلاةِ الْوُسْطى [ البقرة : 238 ] وقوله : مَنْ كانَ عَدُوًّا لِلَّهِ وَمَلائِكَتِهِ وَرُسُلِهِ وَجِبْرِيلَ وَمِيكالَ [ البقرة : 98 ] . وقيل : إنما كررهما لأن النخل والرمان كانا عندهم في ذلك الوقت بمنزلة البر عندنا ، لأن النخل عامة قوتهم ، والرمان كالثمرات ، فكان يكثر غرسها عندهم لحاجتهم إليها ، وكانت الفواكه عندهم من ألوان الثمار التي يعجبون بها ، وإنما ذكر الفواكه ثم ذكر النخل والرمان لعمومهما وكثرتهما عندهم بالمدينة إلى مكة إلى ما والاهما من بلاد اليمن ، فأخرجهما في الذكر من الفواكه وأفرد الفواكه على حدتها . وقوله : فِيهِنَّ خَيْراتٌ حِسانٌ يعني : النساء ، والواحدة خيرة ، قال الترمذي : الخيرة ما اختارهن اللّه فأبدع خلقهن باختياره ، واختيار اللّه لا يشبه اختيار الآدميين ، ثم قال : حِسانٌ فوصفهن بالحسن ، فإذا وصف خالق الشيء شيئا بالحسن ، فمن

--> ( 1 ) جزء من حديث أخرجه البخاري ( 2790 ، 7423 ) وغيره ، وسيأتي بعد قليل .